ابن كثير
37
السيرة النبوية
كنت للاسلام مباعدا ، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها ، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة ( 1 ) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك ، فلم أجد فيه منهم أحدا ، فقلت : لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها . فخرجت فجئته فلم أجده . قال : فقلت : لو أنى جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين . قال : فجئت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى ، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني . قال : فقلت حين رأيته : والله لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول . فقلت : لئن دنوت منه لأستمع منه لأروعنه ، فجئت من قبل الحجر ، فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشى رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة . قال : فلما سمعت القرآن رق له قلبي وبكيت ودخلني الاسلام . فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ، ثم انصرف ، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين ، وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية . قال عمر : فتبعته ، حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته ، فلما سمع
--> ( 1 ) الحزورة : كانت سوق مكة ، ثم دخلت المسجد لما زيد فيه .